الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
419
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
إليه المجتمع الإنساني ، ثمّ بذل ما في يده في مقابل ما في أيدي الآخرين . فالصنائع بذاتها ليست واجبة ، بل بما إنّها من مصاديق التعاون الحافظ للنظام ، فإذا كان الواجب هو التعاون كان أخذ الأجرة مأخوذا في مفهومه ، فلا تندرج المسألة في مسألة أخذ الأجرة على الواجبات ( فتدبّر جيّدا ) . نعم لو بلغ الإنسان حدّا من الفهم والإيمان والشعور الاجتماعي يكون الداعي الإلهي فيه قويّا يدعوه إلى الإيثار وبذل ما في يده توقّع شيء من الآخرين ، واشترك جميع الناس في هذا الأمر ( كما لعلّه يستفاد من بعض ما يحكى عن قصّة المجتمع الإلهي في عصر المهدي عليه آلاف التحيّة والثناء ) تبدّل « التعاون » « بالإيثار » وكان هو الحافظ للنظام ، وذهبت الأجرة وبقيت المثوبة . وقد يشعر بما ذكرنا قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا « 1 » . بعض مستثنيات المسألة : اختار الفقيه الماهر صاحب الجواهر ( قدّس اللّه سرّه ) عدم مانعية صفة الوجوب عن أخذ الأجرة مطلقا عدا ما يستفاد من دليله كونه مجانيا ، واستراح من مشكلة الصناعات الواجبة كفاية وبعض النقوض الواردة على القول بالمنافاة مثل بذل المال للمضطر وأخذ بدله وشبه ذلك ، ولكن شيخنا الأعظم قدّس سرّه لمّا رأى المنافاة بينهما تصدّى لدفع هذه النقوض ، وهي كثيرة ، منها : 1 - أخذ الطبيب الأجرة إذا تعيّن عليه العلاج وخرج عن عنوان الواجب الكفائي . 2 - أخذ الوصي اجرة مثل عمله مع وجوب العمل بالوصية . 3 - جواز أخذ العوض لباذل القوت للمضطر . 4 - رجوع الامّ المرضعة بعوض اللبن مع أنّه ممّا لا يعيش الولد إلّا به كما قيل . فالتزم في الأوّل بالحرمة على مبناه من منافاة صفة الوجوب العيني مع أخذ العوض .
--> ( 1 ) . سورة الزخرف ، الآية 32 .